ضابط الإخلاص لله الواحد القهّار
كتبه : أبو وائل حسّان شعبان
أخي الكريم اسْأَل نفسك هل أنت مُخْلِص؟!
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فحقيقة الإخلاص كما يعرّفها أهل العلم بالتوحيد، و أهل المعرفة بالرقائق: أن يبتغي المرء بأعماله الصالحة وجه الله عزّ وجلّ لا غير، كما قال سبحانه: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ*أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}[الزمر 2ـ3]، وقال جلّ في علاه :{ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ} [الزمر 11]، وهو من أجلّ القربات التي يتقرّب بها العبد إلى ربّ البريّات، فيَعْظُمُ العمل الحقير، إذا صاحبه الإخلاص، ويهوي العمل الكبير، إذا خلا منه، ويتأكدّ هذا المطلب في حقّ أهل العلم وطلاّبه، الذين أكرمهم الله بشيء من معرفته، وخصّهم بمزيد عنايته، عن طريق ما وفّقهم إليه من الوقوف عليه من أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وآياته الشرعية، وبراهينه الكونية، فهم الأسوة، وبهم تكون القدوةز
ولعظمه، وخطورته، شغل بال سلفنا الأخيار، واهتمّوا واغتمّوا لأجله أعظم الهمّ، والغمّ، وما ذاك إلاّ لأنّ محله تلك المضغة، السريعة التقلّب، والدوران، فنال منهم أعظم الحظ والنصيب، وحقّ لهم أن يهتمّوا ويغتمّوا لأجله، كيف لا وقبول عمل العبد متوقف على تحقيقه، واستكماله.
فليت شعري ما الحيلة وأين المفر، إذا ردّت أعمال العبد على وجهه يوم القيامة، وسمع قول الحق تبارك وتعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً} [الفرقان : 23].
إلى الله المشتكى، وإليه وحده المفزع.
ولقد حاولت أن أصل إلى ضابط، وإلى صورة أجسّد فيها حقيقة الإخلاص ـ عسى الله أن ينفعني بها وإخواني المسلمين ـ فاقتبست من كلام بعض السلف رحمهم الله في حقيقة الاستغفار ضابطا لحقيقة الإخلاص، حيث قال: من كان يرى في نفسه استغفاراً فاستغفاره يحتاج إلى استغفار.
وهكذا الإخلاص، فمن كان يرى في نفسه إخلاصاً، فإخلاصه يحتاج إلى إخلاص.
إذن: فحقيقة الإخلاص أن يبقى المسلم في صراع مع نفسه، يتّهمها بضده إلى أن يلفظ آخر أنفاسه من هذه الدنيا(1)، وهو يخشى على نفسه أن يكون قد أشرك مع الله غيره في قصده وإرادته، ومصداق ذلك قول الحقّ تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}[المؤمنون 60].
ولنتأمّل جميعا حديث الثلاثة الذين أوَوْا إلى غار، فأطبقت عليهم صخرة مدخل الغار، والحديث في الصحيحين، واللفظ للبخاري، قال رحمه الله:
حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، حدثني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
( ( انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أَوَوُا المبيتَ إلى غار، فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل، فسدَّت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم.
فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أَغْبِقُ قبلهما أهلا، ولا مالا، فَنَأَى بي في طلب شيء يوما، فلم أُرِحْ عليهما، حتى ناما، فحلبت لهما غَبُوقَهما، فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أُغْبِقَ قبلهما أهلا، أو مالا، فلبثت والقدح على يديَّ أنتظر استيقاظهما، حتى برق الفجر، فاستيقظا، فشربا غَبُوقَهُما.
اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فَفَرِّجْ عنّا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج.
قال النبي صلى الله عليه وسلم وقال الآخر: اللهم كانت لي بنتُ عمّ كانت أحبَّ الناس إليّ، فأردتها عن نفسها، فامتنعت منّي، حتى ألـمّت بها سنة من السنين، فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها، قالت: لا أُحِلُّّ لك أن تفض الخاتم إلا بحقّه، فتحرّجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها، وهي أحب الناس إليّ، وتركت الذهب الذي أعطيتها.
اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك، فَافْرُجْ عنّا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها،
قال النبي صلى الله عليه وسلم وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد، ترك الذي له، وذهب، فثمّرت أجره، حتى كَثُرَتْ منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أدِّ إليّ أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئْ بي، فقلت:؛ إني لا أستهزئُ بك، فأخذه كلَّه، فاستاقه، فلم يترك منه شيئا.
اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافْرُجْ عنّا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون )(2).
قلت: والقائل حسّان عفا الله عنه بمنّه وكرمه:
تأمّل كيف أنه لم يدّع واحد من الثلاثة أنه حقّق الإخلاص لله الواحد الأحد في عمله، الذي كان يرجو أن يكون أخلصَ عملٍ قدّمه لربّه، بل احتاط في عبارته، ووكّل عِلْمَ ذلك إلى عالم الغيب والشهادة، واستعمل أداة الشرط ( إنْ ) التي تعني عدم الجزم، والخوف، والاحتياط، والتبرّي من الحول والقوة حتّى في باب المقاصد والإرادات، والتي هي حقيقة الإخلاص(3).
وهاك أخي القارئ الكريم صورة حيّة لأحد أسلاف هذه الأمّة الأخيار، وعلمائها الأبرار، وهو يجسّد لنا حقيقة الإخلاص في لحظة يا لها من لحظة، إذ تمثّل ل
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ